محمد هادي معرفة
190
التمهيد في علوم القرآن
وابتدعوه ، لكان ذلك مذهبا من تخاليطهم في بعض ما يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لا يعرفون ليوهموا أنّهم قد عرفوا ! وإلّا فإنّ من سلب القدرة على شيء بانصراف وهمه عنه ، وهو بعد قادر عليه مقرن له ، لا يكون تعجيزه بذلك في البرهان إلّا كعجزه هو عن البرهان ، إذ كان لم يعجزه عدم القدرة . ولكن أعجزه القدر وهو لا يغالب والمرء ينسى ويذكر ، وقد يتراجع طبعه فترة لا عجزا ، وقد يعتريه السأم ويتخوّنه الملال ، فينصرف عن الشيء وهو له مطيق ، وذلك ليس أحقّ بأن يسمّى عجزا من أن يسمّى تهاونا ، ولا هو أدخل فيما يحمل عليه الضعف منه فيما يحمل عليه فضل ثقة . وعلى الجملة فإنّ القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ « 1 » وهذا زعم ردّه اللّه على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ « 2 » فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشئ الواحد . . « 3 » . وفي الختام لا بأس أن نعرف أنّ الشيخ العماري ( مبعوث الأزهر في السودان ) حسب من كلمات أمثال الرافعي والشهرستاني وكاشف الغطاء ، وحتى المتقدّمين كصاحب الطراز والتفتازاني والجرجاني وأضرابهم . . . خطابات لا تفي دليلا ، فحاول ترجيح قولة ابن حزم لكثرة دلائله ( التي سردها في الفصل ونقلها العماري في مجلة الأزهر ) « 4 » . . . قلت : يا لها من رزيّة ، إذ أصبحت سفاسف الأوهام دلائل ، وأمّا شواهد العقول فرذائل ! ! ولا سيّما ما اسهبه ابن حزم ، لم نجد فيها ما يروي الغليل أو يشفي العليل . . . فإن كان القوم لا يملكون دليلا - على ما زعمه العماري - فإنّ خصومهم أفلس ودلائلهم أضمر . . . بلا كلام .
--> ( 1 ) المدثر : 24 . ( 2 ) الطور : 15 . ( 3 ) إعجاز القرآن : ص 144 - 146 . ( 4 ) راجع رسالة الاسلام لسنتها الرابعة : العدد الأوّل ص 59 - 72 .